محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

188

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

التفسير وأمّا تفسير الآية ، قال قتادة والضحّاك وعطاء الخراساني والحسن وابن عبّاس في رواية الوالبي والكلبي : إنّ الآية نزلت في المنافقين ؛ يعني مثل هؤلاء المنافقين في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة ؛ فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله ، فاتّقى ممّا يخاف ويحذر ، وأمن . فبينا هو كذلك ، إذ طفئت ناره ؛ فبقي في ظلمة خائفا متحيّرا . فكذلك المنافقون لمّا أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها ، واعتزّوا بعزّها ، وأمنوا من القتل والسبي ، وناكحوا المسلمين ووارثوهم ، وقاسموهم الغنائم ، وعصموا دماءهم وأولادهم وأموالهم . فلمّا ماتوا عادوا إلى الظلمة وبقوا في العذاب والنقمة . قال مجاهد : إضاءة النور إقبالهم إلى المسلمين ، والهدى بالقرآن ؛ وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة ؛ والكناية في قوله : « بنورهم » يرجع إلى المنافقين ؛ لأنّ المثل مضروب فيهم ، وهو قول الزجّاج والفرّاء والأكثرين ؛ ويجوز أن يرجع إلى نور المستوقد ؛ لأنّه في معنى الجمع ، وهو قول الأخفش ؛ وقال سعيد بن جبير ومحمّد بن كعب وعطاء ويمان : إنّ الآية نزلت في اليهود وانتظارهم خروج النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ، وإيمانهم به ، واستفتاحهم على المشركين بمبعثه ، ثمّ لمّا بعث كفروا به ؛ وهذا معنى قول عطاء عن ابن عبّاس ؛ وذكر عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنّها نزلت في أناس دخلوا في الإسلام قبل المبعث وقبل الهجرة ، ثمّ نافقوا . قال ابن عبّاس في رواية عطاء : إنّ قريظة والنضير وبني قينقاع وردوا من الشام إلى يثرب حين انقطعت النبوّة في بني إسرائيل وأفضت إلى العرب . فدخلوا المدينة منتظرين للنبيّ المبعوث من العرب ؛ وكانوا يشهدون له بالنبوّة ويزعمون أنّهم جاءوا لنصرته . فبنوا الحصون المحفوفة بدار هجرته وكانوا يستفتحون على المشركين ببعثته . فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به حسدا وبغيا وخوفا على رئاستهم حتّى لا تنتقل إلى غيرهم ، وعلى مآكلهم حتّى لا يحوزها غيرهم . فذلك الإيمان الأوّل هو الذي أضاء ما حولهم ، وهذا الكفر بعده هو الذي ( 79 ب ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ . قال : كلّما أضاءت أرسل اللّه تعالى ريحا عاصفا فأطفأها . كذلك اليهود كلّما أوقدوا نارا للحرب أطفأها اللّه .